
العدالة الآتية إلى السودان - الياس حرفوش
لا تحتاج أن تكون من انصار الرئيس السوداني عمر البشير كي تطلق الاتهامات بحق العدالة الدولية والمحاكم التي تنشئها. فالاتهامات جاهزة في منطقتنا بحق عدالة يقولون انها تنتقي خصومها بناء على دينهم أو لون بشرتهم أو موقعهم الجغرافي على خريطة العالم. لن يعنيك كثيراً أن القيم التي بنيت هذه العدالة على اساسها هي قيم انسانية، بات متعارفاً عليها في السلوك السياسي وفي مفهوم العدل وفي احترام حقوق الانسان. لكنك من موقعك المعارض لا تنظر الى هذه القيم سوى باعتبارها وريثة هيمنة غربية، لا تحبها وتعاني من ذيولها، ولا تجد ما يحول دون الاشادة بمن يخرقون القيم الموروثة منها، حسب زعمهم، مع ان هذا الخرق، سوف يصيب حقوقك بالضرر كما يصيب اهلك وابناء جلدتك، قبل ان يصيب اي فريق آخر.
ولأن تطبيق العدل ومنع الظلم عن الناس هو ارث «غربي»، بات من الطبيعي ان تسمع الرئيس السوداني يتهم المنظومة الدولية بالانحياز ضده وضد بلاده، على خلفية الموقف الذي اتخذه معظم العالم من الجرائم التي ارتُكبت في اقليم دارفور على مدى السنوات الخمس الماضية. فعلى رغم الاتهامات المتعلقة بالارتكابات التي وقعت هناك ضد مواطنين سودانيين، وعلى رغم التوثيق الاعلامي لذلك، لم يجد نظام الخرطوم ما يدافع به عن نفسه سوى بالقول إنها تهم «ملفقة»، وإن النظام يتعرض لحملة غربية «مأجورة» ضده، من دون أن يتبرع أحد بشرح الاسباب التي أدت الى مقتل 200 ألف من ابناء دارفور خلال السنوات الماضية وتهجير اكثر من مليون شخص من قراهم، وماذا فعلت حكومة البشير لمنع ذلك، طالما انها تقول انه لم تكن لها يد فيه!
لا ينتظر من الرئيس السوداني ان يكون اكثر تجاوباً مع العدالة الدولية اذا صدر اتهام شخصي ضده من قبل المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية، مما كان عندما صدر اتهام مماثل في العام الماضي بحق أحد الوزراء ومسؤول في ميليشيا الجنجويد المتهمة بالضلوع في الارتكابات في دارفور. فرفض البشير تسليمهما للتحقيق «الا على جثته»، بل عين وزير الداخلية أحمد هارون وزيراً للشؤون الإنسانية! لقد كان السلوك المعتمد في الخرطوم تجاه هذه الازمة هو النفي الكامل لما يجري، واعتبار الحملة مجرد مؤامرة سياسية على النظام.
وهذا سلوك لا ينفرد به البشير وحده. بل هو يميز كثيراً من الانظمة، وبعضها في عالمنا العربي مع الأسف، من التي تقيم الاسوار حول مواطنيها وتعاملهم بالطريقة التي تناسب بقاء النظام، وحجتها دائماً انها تفعل ذلك باسم السيادة الوطنية ورفض التدخل في شؤونها الداخلية. وانطلاقاً من هذا يجري التعامل مع المواقف الخارجية على انها مواقف مشبوهة لا تهدف الى حماية المواطن بل الى قلب النظام، وذلك تحت شعار أن هذا النظام أدرى بمصلحة مواطنيه وبالطريقة الفضلى للتعامل معهم.
مشكلة العالم في التعامل مع ازمة دارفور انه في الوقت الذي يسعى الى تحقيق العدل فهو محتاج ايضاً للتعاون مع نظام البشير لإبقاء من بقي حياً في دارفور على قيد الحياة. ففي الاقليم الآن قوة دولية افريقية مشتركة عدد افرادها 9 آلاف شخص، الى جانب منظمات انسانية توفر الحاجات الغذائية اليومية لأكثر من ثلثي سكان الاقليم. والأكيد ان مواجهة قانونية دولية مع الرئيس السوداني، خصوصاً اذا تم توجيه الاتهام اليه شخصياً، سوف تجعل وجود هذه القوات والمنظمات بالغ الصعوبة. وهو المأزق ذاته الذي يواجهه العالم دائماً وفي اماكن كثيرة، بين الحرص على العدالة وضرورة مسايرة الانظمة التي تخرقها بدافع الحاجة الى التعاون معها لحماية الاحياء الباقين.
يقول بان كي مون الامين العام للامم المتحدة «ان السلام من دون عدالة لا يمكن أن يصمد». لكن كيف يمكن تحقيق العدالة اذا كان ذلك سيهدد حياة الناس الذين يمسك النظام الجالس في قفص الاتهام برقابهم؟ وما قيمة السلام الذي سيبقى في هذه الحال؟
--------------------------------
الحياة – 12 يوليو 2008





